Saturday, December 21, 2013

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتتنزل البركات ، ثم الصلاة والسلام على مُعلم النّاس الخير سيدنا ونبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.



بسم الله الرحمن الحيم


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتتنزل البركات ، ثم الصلاة والسلام على مُعلم النّاس الخير سيدنا ونبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد،،،  
العمل الخيري أصل عظيم من الأصول التي جاء الإسلام لتقريرها والدعوة إليها ، ومن تأمل في وصايا القرءان الكريم والسنة النبوية المطهرة أدرك أن عمل الخير في الإسلام قرين الإيمان بل هو علامته البارزة التي تدور معه حيث دار ، ولذلك كلما قوي الإيمان في القلب اندفع صاحبه في عمل الخير والبر والمعروف ،هذا الاندفاع الذي يبدأ في دائرة محدودة ضيقة وهي دائرة الأسرة الصغيرة -قياما بالتبعات والمسؤليات- ثم لا تزال هذه الدائرة تتسع وتنداح حتى تصل إلى محيط الأسرة الإنسانية الكبرى التي أوجب الله علينا بِرها والإحسان إليها والتآزر معها. 
ولمّا كان للعمل الخيري في الإسلام هذه المنزلة العلية الباذخة كان لزاما على الأمّة التي وصفها الله بالخيرية أن توجد الأجهزة والمؤسسات التي تحسن تقديم هذا الخير للنّاس ، تحرض واجد المال على البذل والعطاء ، وتقف مع البائس الفقير لا لتسد حاجته الوقتية فحسب ، ولكن لتمدّه بالوسائل التي تعينه على أن ينهض من كبوته ويتمكّن من أسباب الحياة الشريفةِ المحققةِ لإنسانيته.
ولاشك أنّ هذه الغاية النبيلة التي يسعى العمل الخيري الإسلامي إليها تقف أمامها اليوم عقبات كؤود وتحديات جسام يرجع بعضها إلى اختلال في المفاهيم والتصورات وبعضها إلى حالة التخلف والفساد والاستبداد التي ابتلي بها قطاع عريض من الأمم المحرومة ، كما أنّ بعض هذه التحديات والعقبات مردّه إلى سياسات الهيمنة الاقتصادية التي تفرضها الدول القوية على غيرها من الدول النامية الفقيرة.
وقد حرصت الإغاثة الإسلامية -بعد عقود من العمل المتواصل والخبرة الميدانية العميقة- على تقديم رؤية إسلامية لمعالجة قضايا العمل الخيري المعاصر ، تجيب من خلالها على التساؤلات العصرية الملّحة التي تواجه القطاع الخيري الإسلامي.فكانت البادرة الأولى في هذا الاتجاه العمل على تنظيم ملتقى تفاكري  يناقش أبعاد هذه الرؤية ويصوغها بجهد جمْعِي يتضافر عليه نخبة مختارة من العلماء أهل التخصص الشرعي والإلمام الواقعي يؤازرهم في إنجاز هذه المهمة عدد من الخبراء (مؤسسين وعاملين) ممن عاشوا تجربة العمل الخيري الإسلامي وشهدوا نشأته وأطواره ، وتلمسوا بركته وآثاره ، وعرفوا من خلال التجربة الميدانية الممتدة عوائقه وأسراره. 
وهذه الأوراق التي بين يديك- أيها القارئ الكريم-هي خلاصات أبحاث وتداول ثر شهده ذلك الملتقى التفاكري المنعقد بالقاهرة في الفترة من 12 – 14 مارس 2013م نقدمها اليوم لتكون مساهمة تكشف عن رؤية إسلامية معاصرة لقضايا العمل الخيري تنطلق من عدالة الإسلام ورحمته ، ويسره وسماحته.
                                                                 
سائلين اللهَ جل وعزّ أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم نافعا لعباده ، وأن يجزي خيراً كلَّ من ساهم فيه وأعان على نجاحه.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجميعن ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

المداخلات على ورقة : القيم الحاكمة للعمل الخيري الإسلامي · الدكتور احمد جاب الله :



المداخلات على ورقة : القيم الحاكمة للعمل الخيري الإسلامي

·       الدكتور احمد جاب الله :
الإغاثة الإسلامية تحمل اسم الإسلام فى عنوانها فلا بد أن تحمله فى عملها ومشاريعها ، كما لابد أن يكون القائمون عليها والعاملون فيها متمثلين لهذه القيم ، وأعتقد أن هذا هو التحدى  الأول الذى ينبغى علينا أن نعالجه ، وفيما يختص بموضوع القيم الحاكمة للعمل الخيري الاسلامي أريد أن اشير إلى نقاط أساسية أعتقد أولا أنّه من المهم التاكيد على القيم فى العمل الخيرى القيم الآن مهمة فى كل عمل حتى الغربيين الذين لا يحتكمون بالضرورة إلى مرجعية دينية أصبحوا اليوم يتحدثون كثيرا عن أهمية القيم بشكل عام ، ولعلكم تابعتم الأزمة المالية الاقتصادية التى لانزال نعيش تداعياتها، كثير من المحللين الغربيين يقولون إن مشكلة الاقتصاد العظمى الآن فى العالم أنّه أصبح اقتصادا ليس له قيم وليس له وجهة أصبح هذا الاقتصاد ،همه الربح والكسب ولا يهمه بعد ذلك ما يصيب الناس ، هذا الوعي القيمي نحن اليوم أولى الناس به لاننا  أهل دين ، وديننا  قد رسم لنا منهج القيم وأكد عليها لانّها أولا تمثل الغايات والمقاصد التي بها يقيس الإنسان عمله وانجازه كيف نستطيع أن نحكم على الإنجاز وكيف نستطيع أن نحكم على العمل والبرامج التى ننفذها وكيف نستطيع أن نحكم على أنفسنا أننا نسير في الطريق المستقيم ، أعتقد أن أحد المقاييس المهمة هو تمثل القيم فيما ننجزه اذ لا بد أن يكون الذى ننجزه منسجما مع القيم التى ننطلق منها. الامر الثانى الذي يؤكد أهيمة القيم وينبغي أن يستشعره كل العاملين فعلا فى حقل العمل الخيرى والاغاثى أن القيم هى التى تعطى معنى معالم العمل وتعطيه وجهته حتى لا يتحول هذا العمل إلى مجرد عمل إدارى روتينى ، والإنسان بكثرة ممارسته لعمل ما ينسى الغايات والأهداف والمقاصد والقيم ، وربما كان هذا المعنى داخلا في قيمة الاحتساب التي ذكرها الشيخ.وأنا أصارحكم بانّ واحدة من المشكلات التي نعاني منها في المؤسسات الاسلامية التي توظف الأشخاص للعمل بجانب المتطوعين أنّ هذا الذي ياتي إلى الموسسة الاسلامية ياتي في البداية ودافعه أنه يريد أن يضع وقته وجهده في عمل يرضي الله عز وجل ، ومنه أيضا يسترزق وأنه سيعطي وقته بالكامل لهذا العمل النبيل ، ولكن مع الوقت تضعف هذه المعاني في نفسه ويصبح عمله أشبه بالعمل الإداري الروتيني ، بل أحيانا فيه من القصور والخلل الشئ  الكثير. ولذلك أعتقد أن من أهم واجبات المؤسسات الخيرية أن تتعهد العاملين  فيها بالتوجيه والتذكير، ومن باب أولى القائمين عليها من أجل ان تكون القيم حاضرة بشكل دائم في عملنا. الأمر الثالث أعتقد أننا في العمل الاسلامي الخيري والإغاثي والعمل الاسلامي عموما أمامنا تحدٍ وهو كيف يمكن أن نصوغ قيمنا الاسلامية صياغة كونية إسلامية نخاطب بها جميع الناس ، فنحن نملك قيما رفيعة جدا مستقاة من الدين الخاتم ، ولكن لدينا في الوقت ذاته عجز وعدم قدرة على عرض هذه القيم على العقل الانساني في صياغات كونية عامة بحيث نصل بها الى الآخرين ، وأعتقد أنّ العمل الخيري الاسلامي هو مدخل من أهم المداخل الاسلامية للوفاء بهذا الغرض ولو بشكل غير مباشر فحينما نخاطب غيرنا نخاطبه بهذه الصياغات الإنسانية العامة التي نخاطب بها العقل البشري بطريقة يستوعبها خاصة من في الغرب ، وحينما نخاطب المسلمين في عالمنا الإسلامي نخاطبهم بنفس القيم ولكن بطريقة تتناسب مع البعد الإيماني الذي معهم.


·       محمد الحبر يوسف :
أظن أن من المشكلات التي تواجه العمل الخيري المعاصر هو الإطار العلماني الذي توضع فيه القيم ، فالمساواة مثلا قيمة يثمنها كل العقلاء، لكنها في الغرب توضع في إطار مادي لا ديني ولذلك يصعب تقبلها في الإسلام، فباسم المساواة تشرع حقوق وتقنن لمجموعات شاذة نراها نحن بميزان الإسلام منحرفة عن الفطرة، ولكنها اليوم تأخذ موقعا متقدما في سلم الاهتمامات القيمية.

·       د. / خالد حنفي  :
 أود أن أضيف بعض القيم المهمة التي يمكن إدراجها في منظومة القيم الحاكمة للعمل الخيري ومنها قيمة الربانية وهي قيمة في غاية الأهمية ولها ارتباط وثيق بعمل الاغاثة ، ولها ارتباط كذلك بما تفضَّل به د. جاب الله ، والربانية نلحظها في إجراءت كثيرة جدّا في العمل الخيري مثل مسألة الإخفاء و الإسرار في إخراج الصدقات وفي إنفاق الأموال وتفضيل الإسرار على الإعلان (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) وفي الحديث (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لاظل الاّ ظله ...ومنهم ورجل قد تصدق بصدقة أخفاها حتي لا تعلم شماله ما تنفق  يمينه) وقد قرأت أن من الأسباب التي دفعت محمد أسد الى اعتناق الإسلام أنه كان في زيارة الى مصر فجلس في الشارع جلسة بين النائم و اليقظان، وكانت يده ممتدة ، فجاءت أمرأة وظنت أنه يسأل فتصدقت عليه واجتهدتْ أن لا يراها أحد فلما رأى محمد أسد هذا السلوك وعلم من بعض من سأله أن الإخلاص هو الأصل في تقبل العمل الصالح عند الله ، دفعه ذلك لاعتناق الإسلام. ومن القيم أيضا قيمة الإلزامية في إخراج الزكاة ولا خلاف بين الفقهاء أن من امتنع عن إخراج الزكاة تؤخذ منه عنوة ، وتعطى للفقراء. ومن القيم التي يمكن أن تضاف قيمة الشمول و الإحاطة في العمل الخيري ، بمعنى أنّ المجتمع كله يطالب بعمل الخير بجميع شرائحه ، فمثلا هناك طبقة في المجتمع لا هم أغنياء يخرجون زكاة ولا هم فقراء يأخذونها ، هؤلاء عليهم واجب الحض على الإنفاق والصدقة وقد ذمّ الله في القرءان من لا يحض على إطعام المسكين.  وقد تحدث شيخنا عن قيمة المسؤولية ، وهي قيمة مهمة جدا ، لأنّ المجتمع المسلم تتعدد فيه الاحتياجات وبالتالي فإن أصحاب الأموال قد تؤخذ منهم صدقات غير الزكاة حتى تفي باحتياجات الناس ، وفي حديث النّبي صلي الله عليه وسلم (في المال حق سوى الزكاة). ومن القيم المهمة جدا مسالة رعاية مشاعر الآخرين في العمل الخيري ، فالإسلام يدعو إلى الإنفاق ولكن بغير منّ ولا أذى ولا احتقار لمن يأخذ العطية. ومن القيم والميزات الواضحة جدا في العمل الخيري التي يمكن أن تضاف المرونة والسعة ، والتمييز بين الوسائل والمقاصد.